بكيت فلم تترك لعينك مدمعا
بكيتَ فلم تترك لعيْنِكَ مدمعاًزماناً طوى شرخَ الشباب فودّعا
سقى اللَّه أوطاراً لنا ومآرباًتقطَّع من أقرانها ما تقطَّعا
لياليَ تُنْسيني الليالي حسابَهابُلَهْنِيَةٌ أقضي بها الحولَ أجمعا
سدى غِرَّةٍ لا أعرفُ اليومَ باسمهوأعمل فيه اللهو مرأىً ومسمعا
إذ ما قضيتُ اليوم لم أبكِ عَهْدَهوأخلفتُ أدنى منه ظِلاًّ وأفنعا
فأصبحتُ أقتصُّ العهود التي خلتْبآهة محقوقٍ بأن يتفجَّعا
أحِنُّ فأستسقي لها الغيثَ مرةًوأُثني فأستسقي لها العين أدمُعا
لأحسنتِ الأيامُ بيني وبينهابديئاً وإن عفَّت على ذاك مَرْجعا
أعاذلُ أن أُعطي الزمان عِنانهفقد كنتُ أُثْنِي منه رأساً وأخدعا
ليالي لو نازعتُه رجْعَ أمسِهثنى جيده طوعاً إليَّ ليرجعا
وقد أغتدي للطير والطير هُجَّعٌولو أوْجستْ مَغْدايَ ما بتْن هُجَّعا
بِخلَّين تمَّا بي ثلاثة إخوةٍجُسومُهمُ شتَّى وأرواحُهمْ معا
بني خلَّةٍ لم يُفسد المَحْلُ بينهُمْولا طمعَ الواشون في ذاكَ مطمعا
مطيعين أهواءً توافت على هوىًفلو أُرسِلتْ كالنبلِ لم تعدُ موقعا
تُجَلِّي عُيون الناظرين فجاءةًلنا منظراً مُرْوىً من الحُسن مُشبعا
إذا ما رفعنا مُقبلين لمجلسطلعنا جميعاً لا نُغادر مطلعا
كمنطقةِ الجوزاءِ لاحت بسُحرةٍبعقْبِ غمامٍ لائحٍ ثم أقشعا
إذا ما دعا منه خليلٌ خليلهبأفديك لبَّاه مجيباً فأسرعا
وإن هو ناداه سحيراً لدُلجةٍتنبَّه نبهانَ الفؤاد سَرعْرعا
كأن له في كل عُضوٍ ومَفصِلٍوجارحةٍ قلباً من الجمر أصمعا
فشمَّر للإدلاج حتى كأنماتلُفُّ به الأرواح سمعاً سَمْعمعا
كأنِّي ما روَّحتُ صَحْبي عشيَّةنُساجل مُخْضرَّ الجنابين مُترعا
إذا رنَّقتْ شمسُ الأصيل ونفَّضتْعلى الأفق الغربي ورساً مُذعذعا
وودَّعت الدنيا لتقضي نحْبهاوشوَّل باقي عمرها فتشعشعا
ولاحظتِ النُّوارَ وهي مريضةٌوقد وضعتْ خدّاً إلى الأرض أضرعا
كما لاحظتْ عُوَّاده عينُ مُدنفٍتوجَّع من أوصابه ما توجَّعا
وظلّتْ عيونُ النَّور تَخْضلُّ بالندىكما اغرورقتْ عينُ الشَّجيِّ لتَدْمَعا
يُراعينها صُوراً إليها روانياًويلْحظنَ ألحاظاً من الشّجو خشَّعا
وبيَّن إغضاءُ الفِراقِ عليهماكأنَّهما خِلاَّ صفاء تودَعا
وقد ضربتْ في خُضرةِ الروض صُفرةٌمن الشمس فاخضرَّ اخضراراً مشعشعا
وأذكى نسيمَ الروضِ ريعانُ ظلِّهوغنَّى مغنِّي الطير فيه فسجَّعا
وغرَّد رِبْعيُّ الذباب خلالهكما حَثحثَ النشوانُ صَنْجاً مُشرَّعا
فكانتْ أرانينُ الذبابِ هناكُمُعلى شَدواتِ الطير ضرباً موقَّعا
وفاضتْ أحاديثُ الفكاهاتِ بينناكأحسنِ ما فاضَ الحديثُ وأمتعا
كأن جُفوني لم تبتْ ذاتَ ليلةٍكراها قذاها لا تلائم مضجعا
كأنِّيَ ما نبَّهتُ صحبي لشأنهمإذا ما ابنُ آوى آخرَ الليل وَعْوعا
فثاروا إلى آلاتهِمْ فتقلّدواخرائطَ حُمرا تحمل السُّمَّ مُنقَعا
منمَّقةٌ ما استودعَ القومُ مثلهاودائعَهُمْ إلا لكي لا تُضيَّعا
محمَّلةٌ زاداً خفيفاً مَنَاطُهُمن البُنْدق الموزُون قلَّ وأقنعا
نكيرٌ لئن كانتْ ودائعُ مِثلهاحقائبَ أمثالي ويذهبْنَ ضُيَّعا
علام إذاً توهي الحِمالةُ عاتقيوكان مصوناً أن يُذَالَ مُودِّعا
وما جشَمَتْني الطيرُ ما أنا جاشمٌبأسبابها إلا ليجْشمن مُضلِعا
فَلِلَّهِ عينا من رآهم وفد غَدَوْامُزبين مشهوراً من الزَّيِّ أرْوعا
إذا نبضوا أوتارهم فتجاوبَتْلها زَفَراتٌ تصرعُ الطير خَوْلعا
كأنَّ دَويَّ النحلِ أحرى دويَّهاإذا ما حفيفُ الريح أوْعاه مَسمعا
هنالك تغدو الطيرُ ترتاد مصرعاًوحُسبانُها المكذوبُ يَرتاد مرتعا
وللَّه عينا من رآهُمْ إذا انتهواإلى موقف المَرْمى فأقبلْن نُزَّعا
وقد وقفوا للحائناتِ وشمَّروالهنَّ إلى الأنصافِ سُوقاً وأذرعا
وظلُّوا كأن الريحَ تَزْفِي عليهمُبها قَزَعاً ملءَ السماء مقزَّعا
وقد أغلقوا عقد الثلاثين منهُمُبِمجدولةِ الأقفاءِ جدلاً موشَّعا
وجدَّتْ قِسِيُّ القوم في الطير جِدَّهافظلَّتْ سجوداً للرُّماةِ ورُكَّعا
هنالِكَ تلقَى الطَّيرُ ما طَيَّرتْ بهعلى كل شعبٍ جامعٍ فتصدَّعا
وتُعقَب بالبين الذي برَّحتْ بهلكل مُحِبٍّ كانَ منها مُروَّعا
فظلَّ صحابي ناعمين ببؤسهاوظلَّتْ على حوض المنيَّة شُرَّعا
فلو أبصرتْ عيناك يوماً مُقامنارأيتَ له من حُلَّة الطير أمْرعا
طرائحَ من سُودٍ بيض نواصعٍتَخَالُ أديمَ الأرض منهن أبقعا
نُؤلِّف منها بين شتى وإنمانشتَّت من ألاّفها ما تجمعا
فكم ظاعنٍ منهن مُزِمِعِ رحلةٍقَصرْنا نَواه دون ما كان أزمعا
وكم قادمٍ منهن مرتادِ منزلأناخَ به مِنَّا مُنيخٌ فجعجعا
كأن لُبابَ التِّبر عند انتضائهاجرى ماؤه في لِيطها فَتريَّعا
تراك إذا أَلقيتَ عنها بَنَاتِهاسَفَرْتَ به عن وجه عذراء بُرقعا
كأن قَراها والفرُوزَ التي بهوإن لم تجدها العينُ إلا تتبعا
مَزرُّ سحيقِ الورْسِ فوق صلاءةٍأدبَّ عليها دارجُ الذرِّ أكرعا
لها أولٌ طوعُ اليدين وآخرٌإذا سُمته الإغراقَ فيها تَمنَّعا
تدين لمقرونٍ أمرَّتْ مريرَهُعجوزٌ صناعٌ لم تدع فيه مَصْنَعا
تأيَّتْ صميم المتن حتى إذا انتهىرِضاها أمرَّته مَرائر أربعا
تَلذَّ قرينيه عقودٌ كأنهارؤوس مدارَى ما أشدَّ وأوكعا
ولا عيبَ فيها غير أن نذيرَهايروع قلوبَ الطيرِ حتى تَصعصعا
على أنها مكفولةُ الرزق ثَقْفةٌوإن راع منها ما يروع وأفزعا
مُتاحٌ لراميها الرمايا كأنمادعاها له داعي المنايا فأسمعا
تؤوب بها قد أمتعتك وغادرتْمن الطير مفجوعاً به ومُفجَّعا
لها عولةٌ أولَى بها ما تُصيبُهوأجدرَ بالإعوال من كان موجَعا
وما ذاك إلا زجرُها لبناتهامخافةَ أن يذهبن في الجوِّ ضُيَّعا
فيخرجن حَيْناً حائناً ما انتحينَهوإن تَخذ التسبيحُ منهن مَفْزعا
تقلبُ نحو الطير عيناً بصيرةًكعينكَ بل أذكى ذكاء وأسرعا
مربعةً مقسومةً بشباكهاكتمثال بيت الوشْي حيك مُربَّعا
لإبدائها في الجو عندَ طحيرهاعجاريفَ لو مَرَّتْ بطودٍ تزعزعا
تقاذفُ عنها كلُّ ملساءَ حدرةٍتمر مروراً بالقضاء مشيَّعا
أمونٍ من العظعاظ عند مروقهاوإن عارَضَتْها الريحُ نكباء زعزعا
يحاذرها العفريتُ عند انصلاتهافيُعْجله الإشفاقُ أن يتسمَّعا
تقول إذا راع الرميِّ حفيفُهارويدك لا تجزعْ من الموت مجزعا
فإن أخطأته استوْهلتهُ لأختهافَتلْحَقُه الأخرى مَروعاً مُفزَّعا
وإن ثقفَتْه أنفذته وقدّرتْله ما يوازيه من الأرض مصرعا
فيقضي المُذكِّي في الصريع قضاءهُوهاتيك يأبى غرْبُها أن تُورَّعا
أتتْ ما أتتْ من كيدها ثم صمَّمتتدرُّ دريراً يخطفُ الطير ميْلعا
كأن بنات الماءِ في صرح مَتْنهإذا ما علا رَوْقُ الضحى فترفَّعا
زاربيُّ كسرى بثَّها في صِحانِهليُحضرَ وفداً أو ليجمع مَجمعا
تُريك ربيعاً في خريفٍ وروضةًعلى لجَّةٍ بدعاً من الأمر مُبدعا
تخايلُ فوق الماء زهواً كما زهتعوائدُ عيدٍ ما ائتلين تصنُّعا
تلبَّسُ أصنافاً من البزِّ خلعةحريراً وديباجاً وريْطاً مُقطَّعا
فبيْن خُيابوذٍ زهته شياتهفزيَّنه ريشٌ تراه موزَّعا
يمدُّ إليه حسنُه وجمالهُخلال بناتِ الماء عيناً وإصبعا
وأخضرَ كالطاووسِ يُحسبُ رأْسهُبخضراءَ من حُرِّ الحرير مقنَّعا
يتيه بمنقارٍ عليه حبائلٌتخيَّلن في ضاحيه جَزْعاً مجزَّعا
يلُوح على إسطامه وشيُ صُفرةٍترقَّش منها متْنُه فتلمَّعا
كملعقةِ الصِّينيِّ أخْدَمَها يداًصَناعاً وإن كانت يدُ اللَّه أصنعا
وعينين حمراوين يطرفُ عنهماكأن حجاجيه بفصَّين رصِّعا
ومن أعقفٍ أحذاه مِنقارُهُ اسمهأضَدَّ بديعُ الخلقِ فيه فأبدعا
مزينٌ بسربالٍ من الريشِ ناصعٍله زِبرجٌ يحكي الثَّغامَ المترَّعا
مشينَ بجيدٍ ذي سوادٍ وزُعرةٍورأْسٍ شبيه الجيد أسودَ أقرعا
مطرَّفُ أطرافِ الجناحِ كأنَّهبنانُ عروسٍ بالخضابِ تقمَّعا