غدا الدهر مفترا أغر المضاحك

ابن الرومي (836–896)

غدا الدهرُ مفترّاً أغرَّ المضاحِكِعن ابن عبيد اللَّهِ تاج الممالِكِ

عن الكوكبِ الدُّريّ في كلّ حِندسٍعن اللَّمعةِ البيضاء في كُلّ حالكِ

عن القاسمِ المقسومِ في الناسِ رفدُهُإذا لم تطب عن ملكها نفسُ مالك

عن ابن سليمان بن وهب فتى العُلاعلى رغم أوغادٍ كُهولِ الحسائك

أغرُّ يُكنَّى بالحسين مُسلّمله الحُسْنَ والإحسانَ كلُّ مُماحك

وزيرُ ولي العهدِ وابن وزيرهأخو المجدِ ركَّابُ الأمورِ التوامك

تُكشّفُ منه محنةُ المُلكِ شيمةًمهذبةً والتبرُ عند السبائك

وإن سترتَ وجهَ الحقائِق شبهةًرمى سِترها بالصائباتِ الهواتك

ويُفزَعُ في الجُلَّى إلى عَزَماتِهِفيستلُّ منها كالسيوف البواتِك

يعارِكُ بالتدبير كلَّ شديدةٍفيصرعُها لاهُدَّ ركنُ المُعارِك

فتىً عَطِرتْ ذكراهُ وانهلَّ جُودُهُتهلَّلَ باكٍ من حيا المُزنِ ضاحك

فعافيه في نَضْح من الغيث صائبٍومُطريه في نضح من المسكِ صائك

ذكا وزكا فالعُرفُ من وبلِ ديمةٍسماكيةٍ والعرف من طِيبِ ذانك

ألاحَ بُروق البشرِ تدعُو عُفاتَهُفجاءوا فأعفى بالرغابِ الوشائك

فنُفّلتِ الأيدي غِناها بمدحِهِونُفّلتِ الأفواهُ طيب المساوِك

أقولُ لسئّالٍ به مُتجاهلٍمَحِلتَ وقد آنت إنابةُ ماحك

توهَّمْ مصابيحَ السماءِ سبائكاوصُغْ مثله من صفو تلك السبائك

فتىً أسهلتْ خيراتُهُ لعفاتِهِفأحزن في تلك المعاني السَّوامك

ومن كثُرتْ في ماله شركاؤهُغدا في معاليه قليلَ المُشارك

فتىً لا يُبالي حين يحفظُ مَجدهمتى هلكتْ أموالُهُ في الهوالِكِ

له راحةٌ روْحاءُ يسفكُ ماءَهاوليس لماء الوجهِ منه بسافك

مُقبَّلٌ ظهر الكفِّ وهَّابُ بطنِهامواهبَ ليستْ بالخِساس الركائك

يسوقُ إلى تقبيلها القومَ أنهاغِياثٌ لهم بل عِصمةٌ في المهالك

نرحِّلُ آمالاً إلى بابِ قاسمٍفيرجعنَ أموالاً عِراض المبارك

حباني بما يعيا به كُلُّ رافدٍوحبرتُ مايعيا به كلُّ حائك

فأعدَمتُه مدحَ الغِثاثِ مدائحاًوأعدمني رفدَ الأكُفِّ المسائك

ومالربيعٍ ممطرٍ من مُجاوِدومالبقيع مُزْهر من مُحاوِك

وهبْتُ له نفسي ووُدي ونُصرتيولو صكَّ وجهي حدُّ أبيضَ باتِك

أقولُ لأقوامٍ تعاطوْا علاءَهفأعْيتْهُم الخضراءُ ذاتُ الحبائك

دعوا آل وهْبٍ للمعالي فإنَّهُمْبقايا اللَّيالي الآخذاتِ التوارِك

أناسٌ يسوسُون البلادَ وأهلهابشدةِ أركان ولين عرائك

سراةٌ إذا ماالناسُ أضحتْ سراتُهملنا ضُحكاً أضْحوا لنا كالمضاحك

يودُّ الورى لويشترون شهورهمبأحوال أعوامٍ سواهُم دكائك

وشاهد زُور للكَفور ابن بلبلٍفقلتُ له أطغَيْتَ أطغى البوائك

وقد كنتُ من مُدّاحِهِ غير أننيتناوكْتُ مضطراً مع المتناوِك

فلم يُجزني إلامواعيدَ أعصفتْبهن أعاصيرُ الرياحِ السواهِك

بلى قد جزاني لو شكرتُ جزاءهُجزاءَ مَنيكٍ في إسته غير نائك

وليس جزاءً أنْ عفا إذ مَدَحْتُهوقد كنتُ أهلاً للعِصي الدَّمالك

ولستُ بهجَّاءٍ ولكن شهادةٌلديَّ أوَّدِّي حقها غيرَ آفِك

وما أنا للحمِ الخبيثِ بآكلٍوإنّ له منّي للَوْكةَ لائكِ

إذا استمسكَتْ كفي بعروة قاسمٍفلسْتُ على صرْفِ الزمانِ بهالك

أرانا عِياناً كلَّ عفوٍ ونائلسمعْنا بمذكورَيْهما في البرامِكِ

تداركَني مِنْ عثرةِ الدهرِ قاسمٌبما شئتُ من معروفِهِ المتدارك

فأصبحْتَ في أيكٍ من العيشِ مثمرٍوأمسيْتُ في عِيّى من العز شائك

فتىً في نثاهُ شاغلٌ عن سؤالهِسبوق العطايا للطَّلوب المُواشك

فليس لأبشارِ الوجوه بمُخْلقوليس لأستارِ الخفايا بهاتِك

فتىً لاأُسمّيه فتىً لحداثةٍولكن لهاتيك السجايا الفواتك

سجايا أبت إلاانتصافاً لجارِهامن الدهر إما عضَّ رحْلٌ بِحارك

يُواحِكُ عند العذل في بَذْلِ مالهِوعندَ ارتيادِ الحقّ غيرُ مُواحك

وسائلةٍ عن قاسمٍ ومكانِهِفقُلْتُ لها إن العلاءَ هنالك

كريمٌ تفي أفعالُه بانتسابهِوذو نسب في آلِ ساسانَ شابك

أظلُّ إذا شاهدْتُ يومَ نعيمِهِكأني في الفردوسِ فوقَ الأرائك

بمرأىً من الدنيا جيملٍ ومَسْمعٍلدى ملكٍ بالحق لامُتمالك

مقابلَ وجهٍ منه أبيضَ مشرقٍكبدر الدجى بين النجوم الشوابك

يحيّيه أترجُّ تسامى حيالهوشاهَسْفَرمٌّ تحته كالدَّرانك

وفاكهةٍ فيها مشمٌّ ومطعمٌتردُّ موداتِ النساءِ الفوارِك

ولو عُدم الريحانُ حَيَّاهُ نشرهُبمثلِ سحيقِ المسكِ فوقَ المداوك

بنفسي وأهلي ذاك وجهاً مباركاًتلقَّى بأوفى الشكرِ نُعمَى المبارك

تحثُّ الحسانُ المُحسّناتُ كؤوسهُبِمَدْحٍ له قد سار جمَّ المسالِك

فيهتزُّ للجدوَى على كل مجتدٍوكانتْ ملاهي مثلِه كالمناسك

له مَجْلِسٌ ماإن يزال مُصدَّراًبأحسنَ من بَيْض النعام الترائك

يُغنّينه فيه المحسناتُ لمحسنلُهاهُ من الأمداحِ غيرِ الأوافكِ

ولم يتغنَّ المحسناتُ لمحسنِبمثلِ مديحٍ ذامِلٍ فيه راتكِ

شهدْنا له يوماً أغرَّ محجَّلاًأقام لنا اللذاتِ فوق السنابك

لأمّ عليّ رَبْرَبٌ فيه آنِسٌمن العينِ مثلِ العين حُفَّتْ بعانِك

من الوُضَّحِ اللُّعْسِ الشّفاه كأنمايَفُهْنَ بأفواه الظباءِ الأوارك

يُرفّعْنَ أصواتاً لِداناً وتارةًيُنَمنمنَ وشْياً غيرَ وشي الحوائك

كفلْنَ لنا لمَّا اصطفَفْنَ حيالنابترحيل أضيافِ الهُمزمِ السّوادك

فمابرحتْ تُهدي إلينا عجائبٌعجائبَ تُصبي كلَّ صابٍ وناسك

فتاةٌ من الأتراكِ ترمي بأسهُميُصِبْنَ الحَشا في السّلمِ لا في المعارك

كأنَّ زميرَ القاصياتِ أعارَهاشجاهُ وسجعَ الباكيات الضواحك

وبستان بستانٌ يُقِرُّ عيونَنابما فيه من نُواره المتضاحك

غناءٌ ووجهٌ مونقانِ كلاهمايهيلانِ جُولَيْ ذي الحِجى المتماسك

ظللنا لها نَصْباً تشكُّ قلُوبنابذاك الشجا الفتانِ لا بالنيازك

وماجُلَّناربالمُقَصِّر شأوُهاولا المتعدِّي قصد أهدى المسالك

لطيفةُ قدّ الثدي تُسند عودَهاإلى ناجمٍ في ساحةِ الصدر فالك

تطامَنَ عن قدّ الطوالِ قوامُهاوأربى على قدّ القصارِ الحواتك

ورقاصةٍ بالطبلِ والصنجِ كاعبٌلها غُنْجٌ مِخناثٍ وتَكريهُ فاتك

أُتيحَ لها في جسمِها رفدُ رافدٍوإن نالها في خصرها نَهْك ناهك

إذا هي قامَتْ في الشُّفوفِ أضاءهاسناها فسفّتْ عن سبيكةِ سابك

تخطَّى اسمَ عيَّارٍإلى اسمِ مؤاجَرٍمُسمٍّ لها ما شئتَ من مُتفاتِك

فدتْ تلكم الأسماءَ بل حاملاتِهازيانبُ أرضِ اللَّهِ بعد العواتك

وجوهٌ كأيامِ السُّعودِ تشبُّهالنا طُرَرٌ مثلُ الليالي الحوالك

سبايا إليهن استباءُ عقولِنامماليك مُلّكْن اقتدارَ الممالك

نوازلُ بين الانبساطِ إلى الخناوبين انقباضِ المُخبتاتِ النواسِك

موالِكُ يسفُكْنَ الدماءَ ولاتَرىلهُن اكتراثاً بالدموعِ السوافك

إذا هُنَّ أزْمعْنَ الفراقَ فكلُّناأسِيٌّ على تلك الشموس الدوالك

أقاسمُ ما تتركْ فلستَ بآخذٍأبَيْتَ وما تأخذْ فلستَ بتارك

فلا تتركنّي أيُّها الحرُّ عُرضةًلدهرٍ غدا للحرّ غير متارك