لم يزل قلبه إليهم مشوقا

ابن الرومي (836–896)

لم يزلْ قلْبُهُ إليهم مَشوقاثم أضحَى لديهمُ معلوقا

بانَ قلبي فشاقني وجديرٌحُقَّ للقلب بائناً أن يشوقا

يا فتى بان قلبُهُ وهو ثاوٍقُل لحاديك قد أنى أن تَسوقا

جَلَّ مِقدارُ ما نأى عنك فارحلعِرمساً تترك الحَصى مدقوقا

فاطلُب القلب والذين سَبَوْهُعائقاً كل عائقٍ أن يعوقا

لم تدعني حبائلُ الشادنِ الأكحل حتى نشِبتُ فيها نشوقا

علَّقتني حبالةٌ منه ما انفكْك فيها بنَبْله مَرْشوقا

أحلالٌ أن يحزق الصيدَ صبراًمن رأى في حباله محزوقا

طالب اللَّهُ مُقلتيه السَّحورينِ بحقِّي وقدَّه الممشوقا

منع العينَ قُرةُ العين أن تلتذَّ طعمَ الرُّقاد بل أن تذوقا

ما أنى مُسعِداً حماماً سجوعاًفيه أو زاجراً غراباً نعوقا

ويْكَ ياعائب الحبيب لتسلىعنه مهلاً طلبْتَ أحوى عقوقا

بأبينا حديثُ من عِبْتَ مسموعاً وبالنفس وجههُ مرموقا

قد رضينا الحبيبَ لوكان مَرْضِيَّا لدينا بعهده موثوقا

أيها الذائقُ المُمِرَّاتِ صبراًإنَّ شهداً في إثرها ملعوقا

آل نوبختَ ليس يعدمُ راجيكُمُ صبوحاً من رفدكم وغَبوقا

كم نوالٍ لكم بكورٍ طروققد كفى نوبةً بكوراً طروقا

رُبَّ وادٍ أحلَّ من بعد إحرَامٍ فأضحى عفاؤه محلوقا

جُدتُم جودةً فأصبح رائيه بآثارها عليه مَروقا

طَفِقتْ تمطر العفاة سماءٌمن جَداكم فما أساءتْ طُفوقا

حَسبُكم ويبَ غيركم قد تركتمكل حرٍّ بفعلكم مرقوما

أيَّ جيدٍ ترونه ليس يُمسيفي عري عارفاتكم مربوقا

وإذا ماجريتُم في مدى الحكمة خَلّفتُمُ الطَّلوبَ اللحوقا

وتُقاسون بالسَّراة ومازلتُمْ تفوقونَ فائقاً لامفوقا

فتكونونَ للوجوه أنوفاًوتكونون للرؤوس فُروقا

قد وسطتم وفقتُم وتقدّمْتُمْ فأنذرتُ حاسداً أن يموقا

لاتلجنَّ في معاندةِ الحقْقِ فتُعتدَّ جاهلاً مألوقا

كم عدو لكم غدا يجتديكمولقد بات نابُهُ محروقا

فاجتدى نخلةً قريباً جَناهاقد أنافتْ على النخيل بُسوقا

لايراها أشاءةً من يُساميها ولا من بغَى جناها سحوقا

أيها الطالبون خيراً وشراًإنَّ شوْكاً فيها وإنَّ عُذوقا

لاتزلْ عينُ شانيءٍ تتقذاكم مَعوراً إنسانُها مبخوقا

ووقاكُمْ به الإِلهُ ولقَّاهُ من الجائحات حداً حلوقا

لم أقل إذ صحبتكُمْ بعد أقوام تبدَّلتُ بعد نوقٍ عنوقا

يحذقُ الناس ماتعاطوا وما أحسبُ مدحاً في مثلكم محذوقا

يا أبا سهلٍ الذي راع في السؤدد لا لاحقاً ولاملحوقا

بل سَبوقاً إلى البعيد من الغاياتِ عند الجراء لامَسبوقا

والذي أبصَر السحابُ عطاياه فأضحى يشيمُ منه البروقا

ورآه العيُّوقُ في فلكِ المجدِ فأمسى يخالُهُ العيُّوقا

والذي يَبهرُ البدورَ ببدرٍلايُرى كاسفاً ولاممحوقا

وإذا رامَهُ عدو رآهجبلاً فوق رأسِه منتوقا

وإذا امتاحَهُ وليٌّ رآهعارضاً واهي الكُلى معقوقا

وإذا الخصْمُ لبَّس الحقَّ بالباطلِ كان المميِّز الفاروقا

مالقينا مثل البُثوق اللواتيمُنحتْ منك بعد برٍّ عُقوقا

لاقُصوراً من الكرامة عناغيرَ أن اللقاء أضحى معوقا

تركت لي حشاً عليك خَفوقاوفؤاداً إليك صبَّاً مشوقا

عجباً من خليفةٍ وأميرٍكلَّفا البحر أن يَسدَّ البثوقا

كيف يُرجى لسدَّ بثْقٍ جوادٌلم يزل ماءُ جُوده مبثوقا

أريحيٌّ تُخاف بائقةُ الطوفانِ من بطنِ كفه أن تبوقا

وليَ السَّد وهو أقومُ بالفتح وإن كان قد يسدُّ الفتوقا

وجديرٌ شرواه أن يرتقَ المفتوق طوراً ويفتق المرتوقا

شقَّ بحراً من البحارِ وأرسىجبلاً شامخاً يفوقُ الأنوقا

هزَّ للماء هذمةً كعصا موسى فأضحى عموده مفروقا

بَيْن فرقيه برزخٌ مثل رضوىعفق البثقَ فانتهى معفوقا

وثنى النِّيلَ نحو مَسْلِكه الأرْشِد لما اعتدى وجار فُسوقا

يابن نُوبختَ وابن أبنائه الصيد كذا تُشْبه الغصونُ العروقا

لاعَدمناك حُوّلا قُلبيامخلطا مزيلا فَتُوقا رتوقا

لتقلَّدتَ حفر اسناءة النِّيل كميشا تُخال سيفاً دلوقا

تسبقُ الفجرَ بالغدوِّ عيهاثم لاتستفيقُ إلا غُسوقا

لازماً بطنها تراها قناةًوترى طِينها هناك خَلوقا

وترى السَّافياتِ تجري بها الأرواحُ مسكاً يَذْرونه مسحوقا

كم حُلوقٍ بَلَلْتها قد أفاءتلك ذِكراً في الناس يشجي الحُلوقا

كان مما حدَّثتُ ضيْفك أن قلتُ وقد حَلَّ في ذُراك طروقا

لو ترانا في بطن إسنايةِ النِّيل لأبصرتَ هارباً مرهوقا

هارباً من مَغوثةٍ كم أغاثتمن لهيفٍ ونفَّست مخنوقا

تقدُم الماء وهو يتبعُنا فيها مُخلَّى سبيلُه مدْفوقا

كلما استقبلْتُه فيها صعوداءُ شققْنا له هناك شُقوقا

فإذا ما احزأَلَّ فيها نَجوْنامنه عدواً فلا يسيء اللُّحوقا

والمساحي تسوقُهُ نحو مجراهُ فيا حُسنه هناك مسوقا

عجباً أن تفرَّ منه وقد حُممِل من ميرةِ الحياةِ وسوقا

بل لتطريقنا له وهو المهروبُ منه ولم يكن ذاك مُوقا

دأبُنا ذاك سائرَ اليوم حتىملأ الماءُ بطنها المشقوقا

لو تراها وقد تسامتْ ذُراهاخِلت أمواجَها جمالاً ونوقا

صنعُ والٍ يُمسي ويصبح مصبوحاً بإتعاب جسمه مَغبوقا

وهبَ النفسَ للعلا فجَزَتْهُرتبةً تفرع النجوم سُموقا

يا أبا سهلٍ الذي راق مرئياً وطابَ المخبور منه مَذوقا

لم تزل مبدئاً مُعيدَ الفضلِوبما أنت فاعلٌ محقوقا

لا عجيبٌ صفاءُ ودِّك للخِلل إذا كان خيمُك الرَّاووقا

مثلُ ذاك الطِّباع صُفَّي من الأقذاء مستأثراً بذاك سَبُوقا

قد قرأنا كتابك الحسن النَّظمِ فخلْناهُ لؤلؤاً منسوقا

ووقفنا على خطَابك إيايَ فأصبحتُ وامقاً موموقا

وبأني معشوقُ نفسك لا تُضْحِي وتُمسي إلا إليَّ مشوقا

فرأينا تطولاً وسمعنامنطقاً مونقاً كوجهك رُوقا

إن تكن عاشقاً لعبدك تَعشقْعاشقاً لم تزل له مَعشوقا

ولأنت المحقوقُ بالعشق لا المرزوقُ لكن إخالُني المرزوقا

غير أني إذا تأمَّلتُ إخلاصك ودِّي أهَّلتني أن أروقا

أنا من إن عشقته فلودٍّخالصٍ منه لم يكن ممذوقا

وكأني وقد طويتُ إليك الناسَ جاوزتُ نحو ماءٍ خُروقا

ولعمري لقد وَردْتُكَ عذباًلاجوى آجناً ولا مطروقا

دائمَ العهد لا يُنقِّلكَ الغدرُ إذا خِيل بعضهُم زاووقا

إن تكن جاحداً لنُعماك عنديلاتجدني لها كفوراً سَروقا

تلك شمسٌ لها لديك غروبٌوتلاقي لها لديَّ شروقا

إن هذا من الأمور لَبِدعٌحين ترعي الأمور عيناً رَموقا

شرقُ شمسٍ فيه تغيب وغربٌفيه تُبدي صباحها المفتوقا

أنت من راشني أثيثَ رياشيوكسا اللحم عظمِيَ المعروقا

واتّقاني بحقِّ سلطان ودّيقِسمةً ماذممتُها وطسوقا

مُجرياً ذاك سُنَّةً لي ما دام نهارٌ لليلهِ موسوقا

ولما كنتَ مستودع الماءِ سِقاءً مُهزَّما مخروقا

لا ولا مثل زارعٍ في سباخٍغادرت جُلَّ زرعه ماروقا

أنا ممن يستقرِض العُرف مفعولاً ويقضِي أضعافه منطوقا

ورأيناك لاتقاضي إذا أقرضت قرضاً إلا لساناً نطوقا

بل وجدناك لامُريغاً جزاءًبل إلى البذل لا سواه تؤوقا

حاشَ للَّه لم تكن عند إفضالٍ إلى غير ذاته لتتوقا

يا مُهاناً تِلادُهُ كل هُونٍمتحفَّى بضيفه مَرفوقا

سالماً عِرضُه وإن بات بالألسن من عاذلاته مسلُوقا

نُصبَ وفدين ركب ماءٍ وطوراًركب ظهرٍ يعول سباسب خُوقا

لاكمن أعتَب العواذل مذْموماً فأضحى أديمُهُ ممزوقا

كم وعيدٍ أخلفت لو حُقَّ أمسىمن أصابت سماؤه مصعوقا

وعِداتٍ أنجزَت عفواً وحاشىعِدة منك أن تَشوك بروقا

ياسَميَّ الصدوقِ في الوعد إسماعيلَ أنى يكون إلا صَدوقا

ورَعاً أن تُقارف البخل كفَّاكَ وهيهاتَ أن تُلاقي فروقا

رابط الجأش في الخطوب وماتعدمُ قلباً من خوف ذمٍّ خَفوقا

تركُب السيفَ في المعالي ولكنْتتقي شفرةَ اللسان العَروقا

وتشيمُ الأمورَ غير مُضاهٍراعيَ الثَّلة النؤومَ النعوقا

قد بلونا يومَيْك يابن عليٍّفحمدنا المغيومَ والمطلوقا

يومك الحاتميِّ والتارك الخصمَ مزلاً مقامُهُ زُحلوقا

لك يومٌ من الندى ذو سماءٍلم تزل ثرَّةَ الفروغ دفوقا

شفْعَ يوم من الحجى ذي حجاجٍتدع الشبهةَ الثَّبوت زَلوقا

تنتحي مقتلَ الخصيم وقَوراًلاخفيفاً عند الخُفوف نَزوقا

منطقياً تُصرِّف الجنس والفصلَ وما ولَّدا جَموعاً فروقا

بارَ حمدُ الرجال بين ملوك النْناس حتى أقمتَ للحمد سوقا

وغدا الشعرُ في فنائك مبروراً وقد كان برهةً معقوقا

فابقَ يفديك من يفي بك مَفْديَّاً ومن ليس عادلاً ثُفروقا

إن تقدَّم مُنافسيك فلن يُذكر للنصل إن تقدَّم فُوقا

غير ماطاعنٍ على من يُساميكَ ولكن لفائقٍ أن يفوقا

لو مدحناكَ بالمديح الذي قد قيل في الناس لم يكن مسروقا

ولكُنَّا في ما فعلناه كالحكام رَدُّوا على مُحقٍّ حقوقا

مدح الأولونَ قوماً بأخلاقكَ من قبل أن تُرى مخلوقا

نَحَلوهم ذخائراً لك بالباطلِ منقِيلهم وكان زَهوقا

فانتزعنا الغُصوبَ من غاصبيهافحبا صادقٌ بها مصدوقا