ذهب الصبا و تولت الأيام

محمود سامي البارودي (1839–1904)

ذهبَ الصبا، وَ تولتِ الأيامُفعلى الصبا، وَ علىَ الزمانِ سلامُ

تَاللَّهِ أَنْسَى مَا حَيِيتُ عُهُودَهُولِكُلِّ عَهْدٍ فِي الْكِرَامِ ذِمَامُ

إذْ نحنُ في عيشٍ ترفُّ ظلالهُوَلَنَا بِمُعْتَرَكِ الْهَوَى آثامُ

تَجْرِي عَلَيْنَا الْكَأْسُ بَيْنَ مَجَالِسٍفيها السلامُ تعانقُ وَ لزامُ

فِي فِتْيَةٍ فَاضَ النَّعِيمُ عَلَيْهِمُوَ نماهمُ التبجيلُ وَ الإعظامُ

ذَهَبَتْ بِهِمْ شِيَمُ الْمُلُوكِ، فَلَيْسَ فِيتلعابهمْ هذرٌ، وَ لاَ إبرامُ

لاَ يَنْطِقُونَ بِغَيْرِ آدَابِ الْهَوَىسُمُحُ النُّفُوسِ، عَلَى الْبَلاءِ كِرَامُ

منْ كلَّ أبلجَ يستضاءُ بنورهِكالبدرِ حلى صفحتيهِ غمامُ

سهلُ الخليقةِ، لا يسوءُ جليسهُبَيْنَ الْمَقَامَةِ، وَاضِحٌ، بَسَّامُ

متواضعٌ للقومِ، تحسبُ أنهُمولى في الدارِ وَ هوَ همامُ

تَرْنُو الْعُيُونُ إِلَيْهِ فِي أَفْعَالِهِوَتَسِيرُ تَحْتَ لِوَائِهِ الأَقْوَام

فإذا تكلمَّ فالرؤسُ خواضعٌوَإِذَا تَنَاهَضَ فَالصُّفُوفُ قيَامُ

نلهو وَ نلعبُ بينَ خضرِ حدائقٍلَيْسَتْ بِغَيْرِ خُيُولِنَا تُسْتَامُ

حتى انتبهنا بعدَ ما ذهبَ الصباإنَّ اللذاذةَ وَ الصبا أحلامُ

لاَ تَحْسَبَنَّ الْعَيْشَ دَامَ لِمُتْرَفٍهَيْهَاتَ، لَيْسَ عَلَى الزَّمَانِ دَوَامُ

تأتي الشهورُ، وَ تنتهي ساعاتهالَمْعَ السَّرَابِ، وَتَنْقَضِي الأَعْوَامُ

وَالنَّاسُ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَارِدٌأَوْ صَادِرٌ، تَجْرِي بِهِ الأَيَّامُ

لاَ طائرٌ ينجو، وَ لاَ ذو مخلبٍيَبْقَى، وَعَاقِبَةُ الْحَيَاةِ حِمَامُ

فَادْرَأْ هُمُومَ النَّفْسِ عَنْكَ إِذَا اعْتَرَتْبالكأسِ؛ فهيَ على الهمومِ حسامُ

فالعيشُ ليسَ يدومُ في ألوانهِإِلاَّ إِذَا دَارَتْ عَلَيْهِ الْجَامُ

مِنْ خَمْرَةٍ تَذَرُ الْكَبِيرَ إِذَا انْتَشَىبعدَ اشتعالِ الشيبِ وَ هوَ غلامُ

لعبَ الزمانُ بها، فغادرَ جسمهاشبحاً تهافتُ دونهُ الأوهامُ

حَمْرَاءُ، دَارَ بِهَا الْحَبَابُ؛ فَصَوَّرَتْفلكاً تحفُّ سماءهُ الأجرامُ

لا تَسْتَقِيمُ الْعَيْنُ فِي لَمَعَانِهَاوَ تزولُّ عندَ لقائها الأقدامُ

تَعْشُو الرِّكَابُ، فَإِنْ تَبَلَّجَ كَأْسُهَاسَارُوا، وَإِنْ زَالَ الضِّيَاءُ أَقَامُوا

حُبِسَتْ بِأَكْلَفَ، لَمْ يَصِلْ لِفِنَائِهِنورٌ، وَ لمْ يسرحْ عليهِ ظلامُ

حتى إذا اصطفقتْ، وَ طارَ فدامهاوَثَبَتْ، فَلَمْ تَثْبُتْ لَهَا الأَجْسَامُ

وَقَدَتْ حَمِيَّتُهَا، فَلَوْلاَ مَزْجُهَابالماءِ بعدَ الماءِ، شبَّ ضرامُ

تَسِمُ الْعُيُونَ بِنُورِهَا، لَكِنَّهَابردٌ على شرابها وَ سلامُ

فاصقلْ بها صدأَ الهمومِ، وَ لاَ تكنْغراً تطيشُ بلبهِ الالامُ

وَ اعلمْ بأنَّ المرءَ ليسَ بخالدِو الدهرُ فيهِ صحةٌ وَ سقامُ

يهوى الفتى طولَ الحياةِ، وإنهادَاءٌ لَهُ ـ لوْ يَسْتَبِينُ ـ عُقَامُ

فاطمحْ بطرفكَ، هلْ ترى منْ أمةٍخَلَدَتْ؟ وَهَلْ لابْنِ السَّبِيلِ مُقَامُ؟

هذي المدائنُ قد خلتْ منْ أهلهابَعْدَ النِّظَامِ، وَهَذِهِ الأَهْرَامُ

لا شيءَ يخلدُ، غيرَ أنَّ خديعةًفِي الدَّهْرِ تَنْكُلُ دُونَهَا الأَحْلاَمُ

وَ لقدَ تبينتُ الأمورَ بغيرهاوَ أتى علىَّ النقضُ والإبرامُ

فإذا السكونُ تحركٌ، وَ إذا الخمودُ تلهبٌ، وَ إذا السكوتُ كلامُ

وَ إذا الحياةُ - وَ لاَ حياةَ - منيةٌتَحْيَا بِهَا الأَجْسَادُ وَهْيَ رِمَامُ

هذا يحلُّ، وَ ذاكَ يرحلُ كارهاًعنهُ، فصلحٌ تارةً، وَ خصامُ

فالنورُ - لوْ بينتَ أمركَ - ظلمةٌوالْبَدْءُ ـ لَوْ فَكَّرْتَ فِيهِ ـ خِتَامُ