ظن الظنون فبات غير موسد

محمود سامي البارودي (1839–1904)

ظنَّ الظنونَ فباتَ غيرَ موسَّدِحَيْرَانَ يَكْلأُ مُسْتَنِيرَ الْفَرْقَدِ

تُلْوِي بِهِ الذُّكُرَاتُ حَتَّى إِنَّهُلَيَظَلُّ مُلْقىً بَيْنَ أَيْدِي الْعُوَّدِ

طَوْراً يَهُمُّ بِأَن يَزِلَّ بِنَفْسِهِسَرَفاً، وتاراتٍ يَمِيلُ عَلَى الْيَدِ

فكأنَّما افترستْ بطائرِ حلمهِمشمولةٌ، أوساغَ سمَّ الأسودِ

قالوا غداً يومَ الرَّحيل، ومن لهمخوفَ التفرُقِ أن أعيشَ إلى غدِ؟

هى مهجةٌ ذهبَ الهوى بشغافِهامَعْمُودَةٌ، إِنْ لَمْ تَمُتْ فَكَأَنْ قَدِ

يأَهلَ ذا البيتِ الرفيعِ منارهُأدعوكم يا قومُ دعوةَ مقصَد

إِنِّي فَقَدْتُ الْيَوْمَ بَيْنَ بُيُوتِكُمْعَقْلِي، فَرُدُّوهُ عَلَيَّ لأَهْتَدِي

أو فاستقيدونى ببعضِ قيانكمحَتَّى ترُدَّ إِليَّ نَفْسِي، أَوْ تَدِي

بَلْ يا أَخَا السَّيْفِ الطَّوِيلِ نِجَادُهُإن أنتَ لم تحمِ النَّزيلَ فأغمدِ

هَذِي لِحَاظُ الْغِيدِ بَيْنَ شِعَابِكُمْفَتَكَتْ بنَا خَلْساً بِغَيْرِ مُهَنَّدِ

مِنْ كُلِّ نَاعِمَةِ الصِّبَا بَدَوِيَّةٍرَيَّا الشَّبابِ سَلِيمَةِ الْمُتَجَرَّدِ

هيفاءَ إن خطرَتْ سبَتْ، وإذا رنَتْسَلَبَتْ فُؤَادَ الْعَابِدِ الْمُتَشَدِّدِ

يخفضنَ من أبصارهنَّ تختُّلاًلِلنَّفْسِ، فِعْلَ الْقَانتَاتِ الْعُبَّدِ

فَإِذَا أَصَبْنَ أَخَا الشَّبَابِ سَلَبْنَهُورمَينَ مهجتهُ بطرفٍ أصيدِ

وإذا لمحنَ أَخا المشيبِ قلينَهُوسترنَ ضاحيةِ المحاسنِ باليدِ

فَلَئِنْ غَدَوْتُ دَرِيئَةً لعُيُونِهَافلقد أفلُّ زعارةَ المتمرد

ولقدْ شهدتُ الحربَ فى إبَّانهاوَلَبِئْسَ رَاعِي الْحَيِّ إِنْ لَمْ أَشْهَدِ

تتقصَّفُ المرَّانَ فى حجَراتهاويعودُ فيها السيفُ مثلَ الأَدرَد

عصَفت بها ريحُ الرَّدى، فتدفَّقتبِدَمِ الْفَوَارِسِ كَالأَتِيِّ الْمُزْبِدِ

ما زِلْتُ أَطْعَنُ بَيْنَها حَتَّى انْثَنَتْعَنْ مِثْلِ حَاشِيَةِ الرِّدَاءِ الْمُجْسَدِ

ولقد هبطتُ الغيثَ يلمعُ نورهُفى كلِّ وضَّاحِ الأّسرَّةِ أغيد

تجرى بهِ الآرامُ بينَ مناهلٍطَابَتْ مَوَارِدُهَا، وَظِلٍّ أَبْرَدِ

بمضمَّرٍ أرنٍ كأنَّ سراتهُبَعْدَ الْحَمِيمِ سَبِيكَةٌ مِنْ عَسْجَدِ

خَلصَتْ لَهُ الْيُمْنَى، وَعَمَّ ثلاثَةًمنهُ البياضُ إلى وظيفٍ أجردِ

فكأنما انتزعَ الأصيلَ رداءهُسَلَباً، وَخَاضَ مِنَ الضُّحَى في مَوْرِدِ

زَجِلٌ يُرَدِّدُ فِي اللَّهَاةِ صَهِيلَهُرَفْعاً كَزَمْزَمَةِ الْحَبِيِّ الْمُرْعِدِ

متلفتاً عن جانبيهِ، يهزهُمرحُ الصِّبا كالشاربِ المتغرِّدِ

فإذا ثنيتَ لهُ العنانَ وجدتهُيَمْطُو كَسِيدِ الرَّدْهَةِ الْمُتَوَرِّدِ

وإذا أطعتَ لهُ العنانَ رأيتهُيَطْوِي الْمَهَامِهَ فَدْفَداً فِي فَدْفَدِ

يكفيكَ منهُ إذا أحسَّ بنبأةٍشدٌّ كمعمعةِ الأَباءِ الموقدِ

صلبُ السنابكِ لا يمرُ بجلمدٍفى الشَّدِّ إلاَّ رضَّ فيهِ بجلمدِ

نِعْمَ الْعَتَادُ إِذَا الشِّفَاهُ تَقَلَّصَتْيومَ الكريهةِ فى العجاجِ الأربدِ

ولقدْ شربتُ الخمرَ بينَ غطارفٍشُمِّ الْمَعَاطِسِ كَالْغُصُونِ الْمُيَّدِ

يَتَلاَعَبُونَ عَلَى الْكُئُوسِ إِذا جَرَتْلَعِباً يَرُوحُ الْجِدُّ فِيهِ وَيَغْتَدِي

لاَ يَنْطِقُونَ بِغَيْرِ ما أَمَرَ الْهَوَىفكلامهُم كالروض مصقولٌ ندى

من كلِّ وضَّاحِ الجبينِ كأنَّهُقَمَرٌ تَوَسَّطَ جُنْحَ لَيْلٍ أَسْوَدِ

بَلْ رُبَّ غَانِيَةٍ طَرَقْتُ خِبَاءَهَاوالنجمُ يطرفُ عن لواحظِ أرمدِ

قَالَتْ وَقَدْ نَظَرَتْ إِلَيَّ: فَضَحْتَنِيفَارْجِعْ لِشَأْنِكَ فَالرِّجالُ بِمَرْصَدِ

فمسحتها حتَّى اطمأنَّ فؤادهاوَنَفَيْتُ رَوْعَتَهَا بِرَأْيٍ مُحْصَدِ

وَخَرَجْتُ أَخْتَرِقُ الصُّفُوفَ مِنَ الْعِدَامتلثِّماً والسيفُ يلمعُ فى يدى

فَلَنِعْمَ ذَاكَ الْعَيْشُ لَوْ لَمْ يَنْقَضِوَلَنِعْمَ هَذَا الْعَيْشُ إِنْ لَمْ يَنْفَدِ

يرجو الفتى فى الدهر طولَ حياتهِونَعِيمِهِ، والْمَرْءُ غَيْرُ مُخَلَّدِ