كم غادر الشعراء من متردمكم

محمود سامي البارودي (1839–1904)

كَمْ غادَرَ الشُّعَرَاءُ مِنْ مُتَرَدَّمِوَلَرُبَّ تَالٍ بَزَّ شَأْوَ مُقَدَّمِ

فِي كُلِّ عَصْرٍ عبْقَرِيٌّ، لاَ يَنِييفرى الفرَّ بكلَّ قولِ محكمِ

وَ كفاكَ بي رجلا إذا اعتقلَ النهىبِالصَّمْتِ، أَوْ رَعَفَ السِّنَانُ بِعَنْدَمِ

أَحْيَيْتُ أَنْفَاسَ الْقَرِيضِ بِمنْطِقِيوَ صرعتُ فرسان العجاجِ بلهذمي

وَ فرغتُ ناصيةَ العلا بفضائلٍهُنَّ الْكَوَاكِبُ فِي النَّهَارِ الْمُظْلِمِ

سَلْ مِصْرَ عَنِّي إِنْ جَهِلْتَ مَكَانَتِيتُخْبِرْكَ عَنْ شَرَفٍ وَعِزٍّ أَقْدَمِ

بَلِهٌ، نَشَأْتُ مَعَ النَّبَاتِ بِأَرْضِهَاوَلَثَمْتُ ثَغْرَ غَدِيرِهِ الْمُتَبَسِّمِ

فنسيمها روحي، ومعدنُ تربهاجِسْمِي، وَكَوْثَرُ نِيلِهَا مَحْيا دَمِي

فإذا نطقتُ فبالثناءِ على الذيأَوْلَتْهُ مِنْ فَضْلٍ عَلَيَّ وَأَنْعُمِ

أَهْلِي بِها، وأَحِبَّتِي، وَكَفى بِهِمْإِنْ كَانَتِ الأَبْنَاءُ خُورَ الأَعْظُمِ

وَأَحَقُّ دَارٍ بِالْكَرَامَةِ مَنْزِلٌللقلبِ فيهِ علاقةق لمْ تصرمِ

هِيَ جنَّةُ الْحُسْنِ الَّتِي زَهَرَاتُهَاحورُ المها، وهزارُ أيكتها فمي

ما إنْ خلعتُ بها سيورَ تمائميحتى لبستُ بها حمائلَ مخذمي

وَغَنِيتُ عَنْ قُلَّتِي بعَامِلِ أَسْمَرٍوَسَلَوْتُ عَنْ مَهْدِي بِصَهْوَةِ أَدْهَمِ

وَ فجرتُ ينبوع البيانِ بمنطقٍعذبٍ، رويتُ بهِ غليلَ الحرمِ

وَ لكمْ أثرتُ غيابةً منْ قسطلٍبمهندي، وَ حللتُ عقدةَ مبرمِ

أختالُ طوراً فوقَ ذروةِ منبرو أكرُّ طوراً فوقَ نهدٍ شيظمِ

حتى ربأتُ منَ المعالي هضبةًشماءَ تزلقُ أخمص المتسنمِ

نشأتْ بطبعي للقريضِ بدائعٌلَيْسَتْ بِنِحْلَةِ شَاعِرٍ مُتَقَدِّمِ

يصبو بها " الحكميُّ " صبوةَ عاشقٍوَ تخفُّ منْ طربٍ عريكةُ " مسلمِ "

قَوَّمْتُهُ بَعْدَ اعْوِجَاجِ قَنَاتِهِوَ الرمحُ ليسَ يروقُ غيرَ مقومِ

فقرٌ يكادُ السحرُ يبلغُ بعضَ مافِي طَيِّهَا لَوْ كَانَ غَيْرَ مُحَرَّمِ

مُتَشَابِهُ الطَّرَفَينِ، يُنبِىءُ صَدْرُهُعما تلاحقَ؛ فهوَ بادي المعلمِ

أحكمتُ منطقهُ بلهجةِ مفلقٍيَقِظِ الْبَدِيهَةِ، فِي الْقَرِيضِ مُحَكَّمِ

يبتذُّ أهبةَ كلَّ فارسِ بهمةٍوَيَزُمُّ شِقْشِقَةَ الْفَتِيقِ الْمُقْرَمِ

ذللتُ منهُ غوارباً لا تمتطىوَخَطمْتُ مِنْهُ مَوَارِناً لَمْ تُخْطَمِ

شعرٌ جمعتُ بهِ ضروبَ محاسنٍلَمْ تَجْتَمِعْ قبْلِي لِحَيٍّ مُلْهَمِ

فإذا نسبتُ فتنتُ كلَّ مقنعٍوَإِذَا نَأَمْتُ ذَعَرْتُ كُلَّ مُلَثَّمِ

كَالرَّوْضِ تَسْمعُ مِنْهُ نَغْمةَ بُلْبُلٍوَالْغِيلِ تَسْمَعُ مِنْهُ زَأْرَةَ ضَيْغَمِ

أَدْرَكْتُ قَاصِيةَ الْمَحَامِدِ وَالْعُلاَوَ شأوتُ فيها كلَّ أصيدَ مسنمِ

فأنا ابنُ نفسي إنْ فخرتُ، وَ إنْ أكنْلأغرَّمنْ سلفِ الأكارمِ أنتمى

وَالْفَخْرُ بِالآبَاءِ لَيْسَ بِنَافِعٍإِنْ كَانَتْ الأَبْنَاءُ خُورَ الأَعْظُمِ

هَذَا، وَرُبَّتَ لَذَّةٍ بَاشَرْتُهَافِي ظِلِّ أَخْضَرَ بِالْعَرَارِ مُنَمْنَمِ

طفقَ النسيمُ يحوكُ برودهِبأناملٍ تمرى خيوطَ المرزمِ

فَبِكُلِّ أُفْقٍ مُزْنَةٌ فَيَّاضَةٌوَبِكُلِّ أَرْضٍ جَدْوَلٌ كَالأَرْقَمِ

هَاتِيكَ تَجْرِي فِي السَّماءِ كَأَنَّهَاسُفُنٌ، وَهَذَا فِي الْخَمَائِلِ يَرْتَمِي

فالروضُ بينَ موشحٍ وَ مؤزرٍوَ الزهرُ بينَ مدنرٍ وَ مدرهمِ

طَلْقُ الْجَبِينِ، تَبَسَّمَتْ أَزْهَارُهُعنْ درَّ قطرٍ كالعقودِ منظمِ

عبقُ الإزارِ، كأنما جرتِ الصبافِيهِ بِجُؤْنَةِ عَنْبَرٍ لَمْ تُخْتَمِ

صبح الغمامُ غصونهُ؛ فترنحتْطَرَباً لِرَجْعِ الطَّائِرِ الْمُتَرَنِّمِ

فنسيمهُ أرجٌ، وطائرُ أيكهِهَزِجٌ، وَجَدْوَلُهُ بَرُودُ الْمَبْسِمِ

يَسْتَوْقِفُ الأَلْبَابَ حُسْنُ رُوَائِهِوَ يصيدُ عينَ الناظرِ المتوسمِ

وَ المرءُ طوعُ يدِ الزمانِ، يقودهُقَوْدَ الْجَنِيبِ لِغَايَةٍ لَمْ تُعْلَمِ

فلكٌ يدورُ، وَ أنجمٌ لا تأتليتَبْدُو وَتَغْرُبُ فِي فَضَاءٍ أَقْتَمِ

صُوَرٌ إِذَا نَادَيْتها لمْ تَسْتَجبْأَوْ رُمْتَ مِنْهَا النُّطْقَ لَمْ تتكَلَّمِ

فدعِ الخفيَّ، وخذْ لنفسكَ حظهامِمَّا بَدَا لَكَ؛ فَهْوَ أَهْنَأُ مَغْنَمِ

لاَ يستطيعُ المرءُ يبلغَ ما نأىعَنْهُ، وَلَوْ صَعِدَ السَّمَاءَ بِسُلَّمِ

بينا يشقُّ بهِ الجواءَ ترفعاأهوى بهِ في كسرِ بيتٍ مظلمِ

إِنَّ الْحَيَاةَ شَهِيَّةٌ مَا لَمْ تَكُنْغَرَضاً لإِمْرَةِ ظَالِمٍ لَمْ يَرْحَمِ

لاَ أَرْتَضِي عَيْشَ الْجَبَانِ، وَلا أَرَىفضلاً لذي حسبٍ إذا لمْ يقدمِ

وَلرُبَّ مَلْحَمَةٍ سَرَيْتُ قِنَاعَهَاعنْ وجهِ نصرٍ بالغبارِ ملثمِ

لَوْ كَانَ لِلإِنْسانِ عِلْمٌ بِالَّذِيفِي الْغَيْبِ لَمْ يَفْرَحْ، وَلمْ يَتنَدمِ

فدعِ الأمورَ إلى مدبرِ شأنهاوَارْغَبْ عَنِ الدُّنْيَا بنفْسِكَ تَسْلَمِ