لوت بالسلام بنانا خضيبا

البحتري (821–897)

لَوَتْ بالسّلامِ بَنَاناً خَضِيبا،وَلحظاً يَشُوقُ الفُؤَادَ الطّرُوبَا

وَزَارَتْ عَلى عَجَلٍ، فاكتَسَىلزَوْرَتِهَا أبْرَقُ الحَزْنِ طِيبَا

فَكَانَ العَبيرُ بِهَا وَاشِياً،وَجَرْسُ الحُلِيّ عَلَيْها رَقِيبا

وأنَسَ لَيْلَتَنَا في العِنَاقِ لَفُّ الصِّبَا بِقَضِيبٍ قَضِيبَا

سَكُوتٌ يَحِرُّ عَلَيْهِ الهَوَىوشَكوَى تَهيجُ البُكَا والنّحِيبا

كمَا افتَنّتِ الرّيحُ في مَرّها،فَطَوْراً خُفُوتاً وَطَوْراً هُبُوبَا

عَنَتْ كَبِدي قَسوَةٌ منكِ ماتَزَالُ تُجَدِّدُ فيهَا نُدُوبَا

وَحُمّلْتُ عِندَكِ ذَنْبَ المَشِــيبِ حَتّى كأنّي ابتَدَعتُ المَشِيبَا

وَمَنْ يَطّلِعْ شُرَفَ الأرْبَعِيــنَ يُحَيّي من الشَّيبِ زَوْراً غَرِيبا

بَلَوْنَا صَرَائبَ مَنْ قَدْ نَرَى،فَمَا إنْ رَأيْنَا لفَتْحٍ ضَرِيبَا

هُوَ المَرْءُ، أبْدَتْ لَهُ الحَادِثَاتُ عَزْماً وَشيكاً، وَرَأياً صَلِيبَا

تَنَقّلَ في خُلُقَيْ سُؤدَدٍسَمَاحاً مُرَجًّى، وبأساً مَهِيبَا

فكالسّيفِ، إنْ جِئْتَهُ صَارِخاً،وَكالبَحْرِ إنْ جِئْتَهُ مُسْتَثِيبَا

فتًى كَرّمَ الله أخْلاَقَهُ،وألبَسَهُ الحَمدَ غَضّاً، قَشِيبَا

وأعطاهُ مِنْ كلّ فَضْلٍ يُعَدُّحَظّاً، وَمِنْ كلّ مَجدٍ نَصِيبَا

فَدَيْناكَ مِن أيّ خَطْبٍ عَرَا،وَنَائِبَةٍ أوْشَكَتْ أنْ تَنُوبَا

وإنْ كَانَ رَأيُكَ قَد حَالَ فيّ،فَلَقّيتَني بَعدَ بِشْرِ قُطُوبا

وَخَيّبْتَ أسْبَابيَ النّازِعَاتِ إلَيكَ، وَما حَقُّها أنْ تَخيبَا

يُرَيّبُني الشيءُ تأتي بهِ،وأُكْبِرُ قَدْرَكَ أنْ أسْتَرِيبا

وأكْرَهُ أنْ أتَمَادَى عَلىسَبيلِ اغْتِرَارٍ، فألقَى شَعُوبا

أُكَذّبُ ظَنّي بأنْ قدْ سَخِطْــتَ، وَمَا كنتُ أعهَدُ ظَنّي كَذُوبا

وَلَوْ لم تكُنْ ساخِطاً لمْ أكُنْأذُمُّ الزّمانَ، وأشكُو الخُطُوبا

ولا بُدّ مِن لَوْمَةٍ أنْتَحِيعَلَيكَ بها، مُخطِئاً، أو مُصِيبَا

أيُصْبِحُ وِرْديَ في سَاحَتَيْــكَ طَرْقاً، وَمَرْعَايَ مَحْلاً جَديبَا

أبِيعُ الأحِبّةَ بَيْعَ السّوَامِ،وآسَى عَلَيْهِمْ: حَبيباً حَبيبا

فَفي كلّ يَوْمٍ لَنَا مَوْقِفٌ،يُشَقّقُ فيهِ الوَداعُ الجُيُوبَا

وَمَا كَانَ سُخطُكَ إلا الفِرَاقَ،أفاضَ الدّموعَ، وأشجَى القُلُوبَا

وَلَوْ كُنتُ أعرِفُ ذَنْباً لَماتخالَجَني الشكُّ في أنْ أتُوبا

سأصْبرُ حتّى أُلاقي رِضَاكَ:إمّا بَعيداً، وإمّا قَرِيبَا

أُرَاقِبُ رأيَكَ حَتّى يَصحُّ،وأنْظُرُ عَطْفَكَ حتّى يَثُوبا