تحلبت الأنواء بعد جمودها

ابن الرومي (836–896)

تحلَّبتِ الأنواءُ بعد جمودهاوأقبلتِ الخيراتُ بعد صدودها

بوجه أبي الصقر الذي راح واغتدىكشمس الضحى محفوفة بسُعودها

ولما أتى بغداد بعد قنوطهاوفترة داعيها وإيباس عُودِها

إذا ظلَلٌ قد لوحتْ ببروقهاإلى ظُللٍ قد أرجفت برعودها

سحائبُ قيست بالبلاد فألِقيتْغطاءٌ على أغوارها ونجودها

حَدَتْها النُّعامى مثقلاتٍ فأقبلتْتَهادى رُويداً سيرُها كركودها

غُيُوثٌ رأى الإمحالُ فيها حمامهُقرينَ حياةِ الأرض بعد هُمودها

أظلَّت فقل الحرثُ والنَّسْلُهذهفُتُوح سماءٍ أقبلت في سدودها

فأطفأ نيران الغليل مواطرٌمُضرّمةٌ نيرانها في وقودها

سقتنا ونيران الصدى كبروقهافقد بردت أكبادنا ببرودها

ولم نسقَ إلا بالوزير ويمنِهِفبوركَ في أيامه وعهودها

دعا اللَّه لما أغبرَّت الأرض دعوةبأمثالها تغدوا الرُّبى في برودِها

فكم بركاتٍ أذعنت بنزولهالدعوته إذ أمعنت في صعودها

سما سَموةً نحو السماء بغرَّةمُسوَّمةٍ قدماً بسيما سجودها

وكَفَّينِ تستحيي السماءُ إذا رأترُفودهُما من ضنِّها برفودها

فلمَّا تلقتها الثَّلاثُ رعتْ لهامع الجاهِ عند اللَّه حُرمةَ جُودِها

فجادت سماءُ اللَّه جوداً غدت لهعقيمُ بقاع الأرضِ مثلَ وَلُودِها

بغاشيةٍ من رحمة اللَّه لم ترثْنسيَّاتُها إلاَّ كَرَيثِ نقودها

سقتنا ومرعانا فروَّت وأفضلتلِدجلةَ فضلاً فاغتدت في مدودها

حَيَّاً جعلت فيه الحياة فأصبحتْبناتُ الثَّرى قد أنشرتْ من لحودها

فمنْ مُبلغٌ عنَّا الأمير رسالةفلا برحتْ نُعماكَ داءَ حَسُودها

بقيتَ كما تبقى معاليك إنهاتبيدُ الهضابُ الشمُّ قبل بيودِها

رأيناكَ ترعانا بعينٍ ذكيَّةٍأتى النَّاسَ طُرّاً نومهمْ من سُهُودها

هي العينُ لم تُوثِر كَرَاها ولم يزلْتَهَجُّدُها أولى بها من هُجُودها

ونعماك في هذا الوزير فإنَّنانعوذُ بنعمى ربِّنا من جحودها

وكيف جحود الناس نعماءَ مُنعمٍتناغى بها أطفالهمْ في مهودها

لَعمريلقد قَلّدْتَهُ الأمرَ كافياًيَلَذُّ التي أعيتْ شِفاءَ لدُودِها

وزيرٌ إذا قاد الأمورَ تتابَعَتْفأصبَحَ آبيهَا جنيبَ مَقُودِها

أخو ثقةٍ لو حارب الأُسْدَ أذْعَنَتْأو الجنَّ ذلَّتْ بعد طولِ مُرُودها

مَليٌّ بأنْ يغشى الغِمارَ وأنْ يرىمصادِرَها بالرأْي قبل وُرُودها

وذو طاعة للَّه في كل حالةومعصيةٍ للنفس عند عُنُودِها

صَدُوعٌ بأحكام الكتابِ مُعَوِّدٌعَزَائمهُ التوْقِيفَ عند حدُودها

وَهَت قُبَّةُ الإسلام حتى اجْتَبيتَهُفقد أصبحتْ مَعْمُودةً بِعَمُودِها

بآرائه أضحتْ سيوفُكَ تُنْتَضَىفَتُغْمَدُ من هَامِ العدا في غمُودِها

غَدا خَيْر ذي عَونٍ لسيِّدِ أمَّةٍوأَكْلأَ ذِي عَينٍ لِسَرْحِ مَسُودهَا

كفى كلَّ ما تكفي الكُفَاةُ مُلوكهابِنُجْحِ مساعيها ويُمْنِ جُدُودها

فقد أخمد النِّيرانَ بعد اسْتِعارهاوقد أوقَدَ الأنوارَ بعدَ خُمودها

ويكْفيه إنْ خانَ الشهادةَ خائنٌبما اسْتَشهَدَتْ آثاره من شُهُودها

أتانا ودُنْيانا عجوزٌ فأصبحَتْبه ناهداً في عنفوانِ نُهودها

فقدْ قُيِّدَتْ عنَّا المخاوفُ كلُّهاوقد أُطلِقَتْ آمالُنا من قُيودها

بذي شَيَمٍ يُصْبيكَ حُسنُ وجُوهِهاولينُ مَثانِيها وجَدْلُ قُدُودها

حمانا وأَرْعانا حِمى كلَّ ثرْوةٍوأبدَلَنا بيضَ الليالي بسُودِها

فأضحى ولو تَسطِيعُ كلُّ قبيلةٍوَقَتْ نَعْله مَسَ الثَّرَى بخدُودِها

تأَلَّفَ وَحْشِيَّ القُلوب بلْطفِهِفأضْحى مُعاديها لهُ كَوَدُودِها

وفَىَوعَفا عن كلِّ صاحبِ هفْوةٍوكابدَ ما دون العُلا من كُؤُودها

بنفسٍ أبتْ إلا ثَباتَ عُقُودِهالمنْ عَاقَدَتْهُوانْحِلاَلَ حُقُودها

ألاَ تلْكُمُ النفسُ التي تَمَّ فضْلُهافما نَستَزِيدُ اللَّهَ غيرَ خُلُودها

وإن عُدَّتِ الأحسَابُ يوماً فإنَّمايُعدُّ من الأحساب رَمْلُ زَرُودِها

مَفاخرُ عنْ آبائِهِ وبِنفسهنُفُوذُ حصى الإحصاءِ قبل نُفُودِها

تداركَ إسماعيلُ للعَربِ العُلاَفعادتْ لإِسمَاعيلها ولِهُودِها

فتىً من بني شيْبَانَ في مُشْمَخِرَّةِشَديد على الرَّاقي رُقيَّ صُعُودِها

نَمَتهُ من العَلْيَا جبالُ صُقُورهاوحفّت جَنَابيهِ غِياضُ أُسُودها

فتىً لعطاياه وفودٌ تَؤمُّهافَإن قعدُوا كانتْ وفُودَ وفُودها

إذا بَدْءُ ما أعطى أنَامَ عُفَاتَهُسرى عوْدُهُ مُستَيْقظاً لرُقودها

ولمَّا رَحلتُ العِيسَ نحو فِنائهضَمنتُ عليه عِتْقَهَا من قُتُودها

أمِنْتُ على نعمائه رَيْبَ دهرهولمْ لاَ وذاك العُرفُ بعضُ جُنُودِها